هبة الله بن علي الحسني العلوي
389
أمالي ابن الشجري
وقوم جعلوا النهى داخلا في حيّز الأمر ، ولذلك لم يذكره الأخفش ، قالوا : لأنك إذا قلت : لا تأكل ، كان بمنزلة قولك : دع الأكل . وعند قوم من المحقّقين أن الصّيغتين تدلّان على معنيين ، كلّ واحد منهما قائم بنفسه ، وإن اشتركا في بعض المواضع . وقد أدخل قوم النّداء في باب الأمر ، فقالوا : إذا قلت : يا رجل ، فكأنك قلت : تنبّه ، وليس هذا القول بشئ ، لأنك إذا قلت : يا زيد ، لم تقل « 1 » : قد أمرته ، وقال بعضهم : النداء خبر من / وجه ، وغير خبر من وجه ، فإذا قلت : يا فسق ، فهذا خبر ، لدخول التصديق والتكذيب فيه ، فلذلك أوجب الفقهاء الحدّ على القاذف « 2 » بهذا اللفظ ، فإذا قلت : يا زيد ، فليس بخبر ، لامتناع التصديق والتكذيب فيه . وجعل بعض أهل العلم التعظيم « 3 » للّه سبحانه ، معنى مفردا ، وكذلك التعجّب ، وأدخلهما آخرون في الخبر ، فقالوا : إذا قال القائل : لا إله إلا اللّه ، فقد أخبر أنه معترف بذلك ، وأنه من أهل هذه المقالة ، وقال من جعله معنى بنفسه : لو كان تعظيم اللّه خبرا محضا ، لما جاز أن يتكلّم به المرء خاليا ليس معه من يخاطبه [ به « 4 » ] ولكنه تعبد للّه ، وإقرار بربوبيّته ، يتعرّض به قائله للثواب ، ويتجنّب العقاب ، فهؤلاء جعلوا هذا الضّرب من الكلام خارجا عن الخبر المحض ، كقول المرء خاليا بنفسه : أساء إلىّ فلان ، وغصبنى مالي ، وأشمت بي عدوّى ، يقول ذلك على وجه التحزّن والتفجّع ، وكذلك يقول على وجه التشكّر « 5 » : أحسن إلىّ فلان ، وبذل لي ماله وجاهه ، فجعلوا التعظيم للّه معنى على حدته ، وإن كان بلفظ الخبر .
--> ( 1 ) هكذا ، هنا وفي المجلس التالي . وأخشى أن تكون « لم تكن قد أمرته » . ( 2 ) هذا موضع خلاف ، والأكثر أنه لا يحدّ بهذا اللفظ ، لأنه من الكلام الذي يحتمل معنيين ، ولم يعتبروه قذفا . المغنى لابن قدامة 10 / 210 - 213 . ( 3 ) في ه : التعظيم فيه سبحانه . ( 4 ) ليس في ه . ( 5 ) في ه : الشكر .